مسـلّة الغــربان

عندما يصبح الالم شجرة خضراء ..
وارفة الظلال ..
تثمر ..
وتتكاثر ..
يصير العالم جحيماً لا يطاق .

(( مهداة الى اطفال الحجارة ))

يتسلل الفرح هارباً من عيون عشرات الصغار لحظة تمزق كفن المومياء.. كاشفاً عن شكلها القبيح . اشيح بوجهي بعيداً حتى لا ابصرها ، ويتقي الاطفال شكلها المرعب بأيديهم الندية ، لكنها تقف امامنا . تحاول ان تفقا عيون الصغار. اضرب عظامها المهترئة بكفي .. تتهشم وتتساقط على الارض فتاتاً .

يرتعش الهلع في عروقي ، فأركض مع الصغار في كل الاتجاهات . افتح الابواب الموصدة في وجوهنا .. اضغط مقابس النور بحثاً عن مخرج يخلصنا . افتح احد الابواب ، فيفضي بنا الى قاعة كبيرة .. جدرانها بيض ، سقفها .. ارضها .. حتى بوابتها العملاقة – كلها بيضاء . اتسمر امام البوابة العظيمة شاخصة البصر . عليها نقش غريب .. لا .. ليس نقشاً ، بل كلمات مذهبة :
الامــان نعمة فلا تبددها
يقرفص الصغار على الارض . يلهثون من التعب . يتمدد بعضهم مستنداً الى ساق البعض الاخر . تمر ساعة .. اثنتان .. عشرة . يمر يوم كامل وينتهي. ندخل في اليوم الثاني . الجوع يمزق احشاء الصغار .. والعطش تمكن منهم . يصرخ طفل طالباً الماء. يموء كما تموء القطط ، ويسقط على الارض مغشياً عليه . استنجد في اعماقي بكل الذين اعرفهم . اصرخ واضرب الجدار بقبضتي:
- الا يوجد مخلوق يمد يده .. ويخلص الصغار . رباه انجدنا .

ينفتح الباب الذي دخلنا منه . امسح دموعي لابعد الغشاوة عن عيني . يدخل فارس ملثم على صهوة حصان اشهب . يسير نحو البوابة الكبيرة .. ويقف قبالتها . ينزع لثامه ويلتفت الينا .
- مهنا ..! اخي !
يعيد شد لثامه .. ويفتح الباب الكبير . نور صاخب يعمي الابصار . اتقيه بكلتا يدي . نخرج جميعاً .. ويتقدمنا مهنا . الارض خواء .. لا زرع فيها ولا ماء . لا شيء سوى اكوام من الحجارة البيضاء ، واكداس عظام مخضبة باللون الاحمر ، تنتصب امام اعيننا . نسمع صرير البوابة وهي تغلق . نلتفت باتجاهها، لونها اسود.

مازال مهنا ممتطياً صهوة جواده الاشهب .. وينظر الى الامام من دون ان يلتفت . التقطُ حجراً من الارض . مكتوب عليه :
هنا يصبح الموت ولادة
يغيب النور خلف غمامة سوداء تتقدم نحونا . ينتفض قلبي هلعاً .. ويتجمع الصغار حولي . اركض – مع الصغار – باتجاه البوابة ، لكن مهنا يظل منتصباً كالجبل .. يأبى الحراك . اطرق الباب الاسود بكلتا يدي . تستوقفني عبارة محفورة عليه :
هاهنا يتلاشى النور .. ويفتح باب الى الجحيم
نبتعد عن البوابة .. تقترب الغمامة السوداء منا . تقف فوق رؤوسنا . يمتشق مهنا سيفه ، ويصيح :
- الله اكبر .
تمطر الغمامة غرباناً سود . تنقض علينا . يتلقفها مهنا بسيفه قاطعاً رؤوسها .. اجنحتها .. غارزاً نصل حسامه في بطونها . اعدو مع الصغار . اتعثر بحجر واسقط على الارض . امد يدي لالتقطه. اضرب به غراباً .. يسقط صريعاً . يفعل الصغار مثلي . اتناول حجراً اخر .. واخر ، ويسقط غراباً اخر .. واخر . تنقض الغربان على ايدي الصغار . تدميها .. تمزقها ارباً .. ارباً . يصير الحجر الابيض – في ايديهم – احمر ، لكنهم يستمرون بالمقاومة . يضربون .. يصرخون بصوت واحد يزلزل الارض تحت اقدامهم :
( ثورة .. ثورة حتى النصر
اما الارض .. واما القبر )

يسقط مهنا عن حصانه .. ويسقط سيفه ، لكن يده تمتد لتتناول حجراً ابيض . يخرج من جيبه مقلاعاً يؤرجحه في الهواء بقوة ، ثم يرمي بالحجر . يعاود الكرة.. وصوت الصغار يعلو :
( ثورة .. ثورة حتى النصر
اما الارض .. واما القبر )
يسقط طفل على الارض . تتكوم الغربان فوقه ، وبعد دقائق تطير مخلفة وراءها كومة عظام بلا ملامح . يسقط طفل اخر .. واخر ، ويظل الصدى يردد :
( ثورة .. ثورة حتى النصر
اما الارض .. واما القبر )
لم يبق معي سوى اخي . تتجمع الغربان فوق رأسه . تلتف حول جسده كالدوامة . يسقط وهو يقبض بيده على حجر مخضب بالدم . تتجه جحافل الشر الاسود نحوي . تنهش من لحمي .. واوردتي . تنخر عظامي . تحفر في رأسي ثقباً . تمتص منه دماغي . ابتلع صرخاتي وألمي واصمت . مناقيرها تقطر دماً. ابصر الاجساد الصغيرة تسبح في نهر من الدم . يسيل نحوي . يقف غراب فوق انفي . يركز نظره في عيني . يلمح الشرر يتطاير منهما . تبتعد كل الغربان .. ويظل هو منتصباً فوق وجهي . يتحدى غضبي . يهزأُ من المي . يحلق بجناحيه عالياً ، وصوت نعيقه يردده الصدى .

لم يبق لي سوى العظام الرطبة .. وعينان تبصران السماء .. ولسان يردد بغضب :
( ثورة .. ثورة حتى النصر
اما الارض .. واما القبر )
صار الغراب بعيداً في السماء ، ولم اعد ارى منه غير نقطة سوداء .

نهر الدم مازال يسيل باتجاهي . اعاود النظر الى السماء . النقطة السوداء تكبر .. وتكبر حتى تصبح غراباً . يهبط مسرعاً نحو الاسفل . يلتقط عيني اليسرى بمنقاره .. ويحلق عالياً من جديد . صرت ارى نصف العالم يشع بالنور. تهبط النقطة السوداء من الاعلى لتتقاتل مع غراب اخر يحاول الاقتراب من عيني اليمنى . يتقاتلان . يدمي وجهه .. ويقتلع عينه . اصبح اعوراً .. ويرى نصف العالم اسود . يحلق عالياً من جديد . اشعر بشيء بارد ورطب يلامس عظامي . ابصر دم الصغار يختلط بدمي .. بعظامي .. واصواتهم مازالت تردد في السماء :
ثورة .. ثورة ..
النقطة السوداء تكبر .. والحجر الابيض في يدي مغمس بدماء عشرات الصغار.. بدم مهنا ( يا عيني عليك يا مهنا ) . ارمي به . يضرب رأس النقطة السوداء . يسقط صريعاً . ترتسم في السماء امارات النصر . تتراجع حشود الشر الاسود .. ولساني يردد – بنشوة – مع السنة الصغار :
( ثورة .. ثورة حتى النصر
اما الارض .. واما القبر ) .

الأوسمة:

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.