فتاة برية بالألوان

الى كل فلسطيني لم يجد ما يدافع به عن نفسه .. عن ارضه .. وعرضه سوى الحجارة .. ارفع كلماتي المتواضعة
****************
تشرين …
افعى تزحف نحو المدينة لمحاصرتها .
يشرنقها بدوامة مطر شرس .
وهي …
ورقة خريف يابسة … نفضتها اشجار الغاب ،
وتركتها وحيد …
تائهة في مهب الريح .

……………………..

الشارع يمتد امامها … مليئاً بالصخب وبوقع اقدام المارة وهم يتراكضون في كل الاتجاهات ليحتموا من البلل . وحدها تتوقف عند احد الازقة . تصيخ السمع لسمفونية المزاريب وصفير الريح . تغلق مظلتها .. وتغمض عينيها ، ثم تترك للمطر فرصة عناقها بشراسة محمومة . تفتح ذراعيها – على اتساعهما – ليعمدها بقطراته .. فتاة برية من وحي تشرين .

تمطر …
تمطر .. منذ عشر سنوات حنيناً جارفاً .. ضاجاً بالوجع لبيت الطين في اعلى التلة .. لوجوه الاحبة .. لرائحة المطر المعجون باديم الارض . عشر سنوات والمطر لا يختلط الا باسفلت الشارع – الذي تنبعث منه رائحة العفن .

تمطر …
تمطر سياط غضب موجع . تجلد راسها الصغير . تحفر اخدوداً عميقاً فيه. تفجر سدود سنوات عشر من الغياب في ثوانٍ ، ليكتسح الطوفان كل شيء . الافعى تضيق الخناق عليها . تباغتها .. ثم تعتصرها بيسر حتى تتشابك اضلاعها . اصداء شيء جميل وثمين يتكسر في صدرها .. ويدعوها للبكاء .

انقطع التيار الكهربائي في الشارع الذي تسير فيه . صارت جزءاً من عتماته. عواء الريح يطاردها . تعدو بين الازقة وحيدة وخائفة . تصرخ :
- خالد …
لكن خالد لا يجيب ، فهو منشغل الان برسم لوحة جديدة .. مليئة بالالوان.. وضاجة بالحياة . خالد صار يبحث عن الدفء فوق الارائك الوثيرة وبين لوحاته التي تزينها شموس خرافية .

تهرب من وحشة الازقة . يطالعها مطعم فخم – في احد الاحياء المترفة – مدججُ بالنور . تتردد في ولوجه ، لكن العتمة وصوت الريح يدفعان بها نحوه . تمد يدها لتدفع بابه الزجاجي .. لكن ظلفتا الباب انفرجتا وحدهما ، واطل من ورائهما شاب في العشرين . نظرت اليه . كان يقف كالتمثال .. ويتحرك كالدمية . ملامحه تدل على انه عربي ..عربي اخر – او بنحو ادق – مشرد اخر . سارت في الممر المؤدي الى صالة الطعام لاهثة الانفاس . كان كل شيء فيها يقطر ماءً .. ثيابها .. شعرها . نظر اليها النادل بازدراء . احست لنظراته طعم الصدأ في فمها . تقدم واوقد الشمعة اليتيمة .. المنتصبة فوق منضدتها . كانت ترتعش من شدة البرد ، لكن احداً لم يعرها انتباهه .. حتى ذلك المشرد الذي ينتصب خلف الباب .

حدقت في وجوه الجالسين حول الموائد وهم يحتسون الشراب ويستمعون باهتمام مصطنع لمعزوفة تشايكوفسكي – بحيرة البجع . كانت تراهم مجرد تماثيل جليدية خاوية من الداخل وباردة .. وعما قليل سيذوبون وتتعرى حقائقهم.

كان النادل يمر من امامها من دون ان يعيرها ادنى اهتمام . قالت لنفسها :
- حين ياتي الي ساطلب فنجانا ساخنا من الشاي .
لكن انتظارها طال والنادل لم يكلف نفسه عناء النظر اليها مجدداً . لملمت نفسها وهمت بالخروج . استوقفها منظر الشاب المنتصب خلف الباب . تطلعت اليه بمرارة. كان جامد الملامح . ادارت وجهها ومضت . تلقفها الشارع من جديد.. وحيدة تطاردها الريح التي مازالت تعوي كفصيلة من ذئاب جائعة في ليلة من دون قمر .

ادخلت يدها في جيب معطفها . اخرجت منه سلسة مفاتيح ، معلّق في نهايتها حجرُ صغيرُ ابيض . قربته من شفتيها وهمست :
- وائل .

- مريم .. اعتني بنفسك . سترحلين مع خالد ..لقد تدبرت لك كل شيء .
ثم دس في يدها حجراً صغيراً اخرجه من بين كومة كان قد دسها في جيوب بنطاله ، واردف :
- لا تفقديه . انه هويتنا .. انتماؤنا .. جواز مرورنا . هذا هو الدليل الوحيد الذي يمنحنا الحق في امتلاك ارضنا . حافظي عليه .
نظرت اليه بخوف وقالت :
- الى اين يا وائل ؟
ضمها الى صدره ثم همس لها :
- من اجلك .. ومن اجل كل المريمات .

مازالت تمطر …
والقطرات الصغيرة – التي تخز كالابر – تتابع حفر اخدود طويل .. يسيل فيه سائل احمر ، له طعم النزف . تحس بالجرح المزروع في خاصرتها رطباً .. وندياً . كأنه انبثق الان .. وكأن لم يكن قد مر عليه عشرة اعوام . فركت الحجر باناملها الخمس.. وكانها تحاول اكتشاف نتوءاته والثقوب المحفورة فيه كجراح تابى الاندمال . لم يبق لها احد سوى خالد . لكنه هو الاخر تغير . شيء ما انكسر فيه . حتى كتاباته – في الصحيفة التي يعمل بها – تحولت من السياسة الى الفن . وصار قلمه مجرد فرشاة يحاول ان يرسم بها اقواس قزح في سماء رمادية .

ولجت احدى البنايات الضخمة ، ثم توقفت اما احدى الشقق وقرعت الجرس . اطل شاب اجنبي الملامح – بثياب انيقة . نظر اليها بازدراء – كما فعل النادل في المطعم – وهي تقطر ماءً . ومن جديد احست بطعم الصدأ في فمها . سألته بلغته الاجنبية :
- هل السيد خالد هنا ؟
- نعم .
اجاب ثم تنحى لتدخل . طالعها من اعلى الى اسفل ثم تمتم مع نفسه :
- هؤلاء العرب ! غريبو الاطوار !

  

لم يشعر بها خالد وهي تدخل الى المرسم . كان يحلق في عالم اخر .. محاولاً تلوينه باقواس فرح – ككل لوحاته . وقفت امامه ، وهي ترتعش . قالت بنبرة ناقدة :
- الا تلاحظ ان اللون الاحمر هو اللون الغالب في لوحاتك ؟‍‍‍!
نظر اليها مشدوهاً ، ثم نظر الى اللوحة ليتبين صدق كلامها . وقبل ان ينبس بحرف تابعت ساخرة :
- لن يجدي الربيع في لوحاتك .. لا .
لن يمنحنا الدفء .. ولا الامان .
ولن يزرع في نفوسنا الفرح . اقترح ان تفتش عنه في مكان اخر .. وزمن اخر.
- ما هذا التشاؤم ياحلوتي ؟
قال مداعباً ، لكنها هزت رأسها ساخرة وهي تتمتم :
- التشاؤم !

بدات تحس بانها مجرد تائهة .. تتخبط بين الازقة . حتى خالد الذي احبته بكل ما تملك اشاح بفناره عنها . حشرت جسدها الصغير في احدى الزوايا وجلست على الارض . نظر اليها خالد مستغرباً . كانت عيناها تنذران بعاصفة كالتي تشرنق المدينة . وجهها شاحب .. وجسدها يرتجف – على الرغم من دفء المكان .
- مريم ..‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! لماذا تجلسين على الارض ؟ ! انهضي !
حاول ان يسحبها من يدها ، لكنها جذبتها اليها وقالت بنبرة ساخرة :
- لا اريد ان تبتل الارائك الوثيرة .. والسجاد الفاخر .
لكنه تجاهل سخريتها .
- لا بأس .. سأجلس انا قربك .

جلس قربها .. وطوقها بذراعه . شعرت بقشعريرة لم تعهدها معه من قبل. انفاسه كانت باردة .. وشفتاه اللزجتان – وهما تطبقان على عنقها – باردة ايضاً . تتناسى وجوده .. وتشرد بذهنها . تنظر الى اللوحات الملونة – التي غطت جدران المرسم .. تبث دفئاً مسلفناً – تارة ، والى النوافذ – التي تهيل عليهم عتمة وبرداً لا يحدهما حدود – تارة اخرى . تتمنى لو يكتسحها ربيع اللوحات .. لو يغادرها هذا الشعور بالتشرد ..

مازالت جالسة على الارض .. وخالد يداعب اذنها بانفه ، ‍‍‍لكن عينيها تتابع البحث عن شيء ما – او ربما لوحة تنبض بالحقيقة – بين اللوحات المزركشة بالوان الربيع والدفء . وبنظرة خاطفة الى احد الاركان المعتمة للمرسم ، التقطت عيناها لوحة مسجاة على الارض . نهضت من مكانها – تاركة انامل خالد لتداعب الفراغ – واتجهت صوب اللوحة . التقطتها وراحت تتطلع اليها بعمق .. وهي تتلمس قماشها بانامل مرتعشة . مازالت تتذكرها . انها اول لوحة رسمها خالد في غربته . كانت اول ثمار وجعه . خلفيتها حمراء دامية .. تتوسطها شاهدة بيضاء تناثر فوقها قطرات حمر . معلق فيها اكليل من زهور السوسن . تهمس لنفسها :
- كم كان حساساً وشفافاً . كيف كساه الصقيع !

نظرت اليه بأسى . كان وجهه يفور غضباً . وبنبرة حادة قال – وهو يجذب اللوحة من بين يديها ويرميها على الارض :
- ما الذي تنظرين اليه ؟
فاجابت موبخة :
- استغرب .. كيف ننسى اشلاء من احببنا .. وضمها قبر واحد ؟ !!!
كيف يروق لنا التوهان في عالم – نعرف مسبقاً انه – لم يخلق لنا ؟!
ولانها لامست الجرح ، رفع يده ليصفعها ، لكن ذات اليد تجمدت في الهواء.. ولم يجرؤ الا على الصراخ في وجهها :
- هل جننتِ ؟

نظرت الى يده التي كانت قبل قليل تداعب رقبتها .. وتنثر خصلات شعرها . تردد مع نفسها :
- جننت ! .. جننت !

عيناها مغرورقتان بالدموع . المطر يجلد النوافذ بقسوة .. وهي طير جريح مغسول بالالم .

اقترب منها وضمها الى صدره ، وبصوت يملؤه الندم همس لها :
- مريم .. لمَ لا تفهمين !
انا احاول ان اوفر جواً من السلام والامان لنا معاً – كما وعدت وائل – بعيداً عن الجراح التي لا تندمل .. وانهار الدم التي لا تجف حتى باحتضارنا .
انتزعت نفسها من بين يديه . التقطت حقيبتها .. وقبل ان تخرج اقتربت منه ، وهمست في اذنه :
- اتعلم .. صار لمرآك طعم الصدأ في فمي .

غادرت شقته . تلاشى كل شيء جميل امامها . ارتسم الدرب طويلاً .. ومظلماً. التحم مع خط الافق . جعلت تراهما شيئاً واحداً لا ينفصل . تتناسى فتح المظلة . تترك المطر يغسلها من حنقها .. ويتابع حفر الاخدود في رأسها . تهمس لنفسها :
- لو ان وائل مازال حياً .. هل كان سيصبح مثل خالد ؟
تمد يدها في جيب معطفها . تتحسس الحجر الراقد فيه كطفل لما يخرج من رحم امه بعد .
- لا تفقديه .. انه هويتنا .. انتماؤنا .. جواز مرورنا . هذا هو الدليل الوحيد الذي يمنحنا الحق في امتلاك ارضنا . حافظي عليه .. حافظي عليه .. حافظي عليه ..

تشعر انه لم يعد هناك ما يربطها بخالد . تعود الى غرفتها في دار الطالبات المغتربات . تفتح حقيبة سفرها .. ستملؤها بعد قليل . ترمق كتبها المرصوصة فوق المكتب ببرود . تقترب .. تقلب الدفاتر بلا مبالاة .. تترك كل شيء مكانه ، ثم تفتح احد الادراج . تخرج منه حقيبة صغيرة .. بنية اللون . تخرج منها اوراقاً قديمة مهترئة – تثبت هويتها – تشم فيها عطراً معتقاً من زمنٍ خرافي . تشعر بفرح غريب يسري في بدنها .. يسرقها من غضبها .. ويودعها تحت عرش الشمس . تقبض على الحجر بيد ام حنون . تلعقه بلسانها.. تشمه .. تمسح كل نتوء فيه بخدها . تقبّله بشغف مجنون . ترى فيه وجوه من احبت .. ووجه وائل . تدور في الحجرة .. تدور.. تدور . تسقط فوق سريرها وهي تحتضن الحجر وحقيبة الاوراق وجواز السفر .

فيما يشبه الرؤيا تراهم ينبثقون من الارض .. يخرجون من ثقوب الرصاص في الجدران . يخترقون الازقة .. يعبرون الاسلاك الشائكة .. ويدخلون غابة الموت. لكنهم يعرفون الطريق .. والطريق يعرف خطاهم المغسولة بالدم .. ورائحة المسك .

بأيديهم المخضبة بالدم يشعلون الليل قناديلَ صفراً .. تسبقهم اسراب من طيور بيض. كل طائر يقبض على حجرين . مازالت تراهم . ايديهم متلاحمة.. واصواتهم متناغمة . بنبرة واحدة يرددون ..

سندك .. ندك الاسوار
ونحيل الليل الاسود نوراً ونار ..

الأوسمة: ,

2 تعليقات إلى “فتاة برية بالألوان”

  1. حسام زيدان يقول:

    غيمة زرقاء .. و رف حنين و دهليز وجل و مجموعة أنين .. و تأشيرة عجز ترفع في الجبين ..
    هكذا يغدو القلب ممتلئ بماء فخم و رمل الدماء لعين ..
    هل ستبقين كصفصافة تعتصر كحل الجنوب و اضواء البعيد ما زالت تعتصر عواصم الجبن في شتات سقيم .. هل ستبقين يا فلسطين كأسوارة مكسورة الملامح على معصم حزين . هل سيودعنا البين على نوافذ موج أبحرت بقلم باهت الحبر و المداد ..
    أعلم أن قضيتي خاسرة و أعلم أني أعاقر طواحين الهزيم ..
    لكن ما أعلم جيداً أيضاً أن ما دامت فلسطين تأخذ من وقت مروة كل هذا الجمال فهي باقية لا زوال لها ..
    الوح لك بطوق ياسمين و رذاذ انتماء لك يلوح على انصاف تراتيل من فيض مبحوح ..
    لك الولاء

  2. عطر الليل يقول:

    فيما يشبه الرؤيا تراهم ينبثقون من الارض .. يخرجون من ثقوب الرصاص في الجدران . يخترقون الازقة .. يعبرون الاسلاك الشائكة .. ويدخلون غابة الموت. لكنهم يعرفون الطريق .. والطريق يعرف خطاهم المغسولة بالدم .. ورائحة المسك .. سلمت يداك مروة و دام ألقك

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.