فجر يغسل الصدأ

اغسطس 29, 2010

هنا زرعت الشوق فجرا قرمزيا .. يلون العمر بالامل .
استل الفرح العقيم بمنقار طائر الفينيق .. فيحترق .
من رماد الاقاويل .. من شتات الروح .. امضي صعودا
لقمة الكرمل ..
حيث تتشظى المسافات :
…….. اشجار لوز .. وزخات مطر ………
ونبض جديد يجرجر اذيال الفرح نحو سلالة عشق اسطوري
وسماء تغريني بالتحليق ..
لاعلو .. واعلو مع كل خفقة جناح ..
نحو يوم انقى من الذي رحل.
واظل في سري اردد ..
هذا ما زرعت يداك ايها الكرمل .

أتراك نسيت باقي الحكاية ؟

مايو 6, 2010


انا امراة نذرت قلبها للقمر
وباعت كل ما تملك من اصداف بحرية
ورهنت صوتها عند السحرة
من اجل نظرة و….

وتضرج الفجر بالرماد

فبراير 13, 2010

مهداة الى شهداء ملجأ العامرية في بغداد في الذكرى التاسعة عشر
*******************

مازالت رائحة الدم – التي تفوح من جدران
ملجأ العامرية – فوّاحة بالوجع ..
ولها طعم مغسول بالعبرات ..
والملح .

ومازالت ذكرى قاطنيه – كل عام –
تفتح لنا بوابة الجحيم على مصراعيها ،
لتسعر في وجوهنا .

هانحن اليوم – وكل يوم – نمطرهم حباً ودموعاً ..
ويمطروننا بعداً .

مازلنا نتذكرهم ..
نتذكر ما تبقى منهم – او بنحو ادق –
ما تبقى منا ..
من اعمارنا ..
واحلامنا من دونهم .
………………………………………………………….

هكذا بدت السماء مشحونة .. ومكهربة بالاحزان .. وترانيم الخيبة المؤبدة .
وهكذا بدا ضوء الشمس شاحباً .. بارداً لا يكاد يغطي مداه ، وبدت ارمانيسا – وهي منكمشة وراء مكتبها الصغير في المنزل – شبحاً يهرب من ظلال الارض المتخمة بالعفن .. والبرد .. ورائحة الموت تنبعث من كل مكان .

يرقبها الزملاء – الذين حضروا لزيارتها – بأسى .. ويتحسرون على البنت الشقية .. صاحبة القلم الملتهب – كما كانوا يسمونها . يثور احدهم في وجه فالح مصور الصحيفة التي تعمل فيها ارمانيسا .. ومرافقها في كل تحقيقاتها – وهو يراها تنوس في اللامكان :
- ما كان عليك ان تصطحبها معك في تلك الليلة .. وانت تعلم انها تبيت كل ليلة هناك .
يتمتم فالح – وعلامات الندم بادية على وجهه – محاولاً ان يبرر الامر :
- وهل تظن انها كانت ستنتظرني حتى اصطحبها ؟
لو لم اصل في تلك اللحظة لكانت تدبرت حالها حتى تصل الى هناك .

مازالت تراهم يمدون لها ايديهم الطرية . ومازالت تسمع استغاثاتهم .. وصراخهم المكبل بسياط اللهب . لم يجدوا سبيلاً للنجاة . كل المسارب اغلقت.. وكل المسالك دفنت ، ولم يبق منفذ الا واحكم الحصار حوله . احتضنوا الجدران.. ناشبين وجوههم في الحجر . ممزقين بأظفارهم لحم الصخر .. حتى انصهروا والتصقت أجسادهم بالجدران .. فلم تعد تسمع الا سياط اللهب تجلد الاجساد البريئة.. التي اتحدت مع الجدران وذابت في عشق اسطوري .

انها تراهم كل ليلة .. وتسمعهم يطرقون ابواب الحجر . ارواحهم مازالت حبيسة الجدران .. والجدران تنبض بقلوبهم . انهم هناك يطالبون بالخروج . لو مررتم بالقرب من الجدران للفحتكم انفاسهم اللاهبة .

يزوغ بصرها الى سقف الحجرة .. وتزوغ معه في اروقة الذاكرة اشباح الامس الموجع .
في ذلك اليوم ، لم تتوقف صافرات الانذار عن العويل . الشمس – رغيف ناضج– ابتلعها تنين الظلام . الشوارع خاوية .. والليل طويل .. موحش . وحده ملجأ في العامرية ، كان يعج بضجيج الاطفال .. طرائف النساء .. واحاديث الشيوخ.

دخلت ارمانيسا – كعادتها – الى ركنها الذي اعتادت عليه في الملجأ – حيث كانت قد علقت صورة للعذراء .. ومسبحة يتدلى منها صليب صغير . كانت تجلس ساعات امام الصورة – حين يشتد القصف – تصلي .. وتطيل النظر اليها ، حتى يخيل اليها انها ما تلبث ان تنطق .. او تبتسم .. وان النور الذي يصخب به الملجأ ليس الا نورها .
في بقعتها تلك ، كانت تنفض عنها غبار الوجع والخوف .. وتتناغم مع المحيطين بها كما تتناغم حبات المسبحة . كانت تمارس انسانيتها .. تضحك.. وتبكي .. وتتألم لفقد وجه اعتادت وجوده معهم . وفي اللحظة التي يخلد فيها الكل الى السكينة .. تتفرغ لقلمها . تلتهم السطور .. وتحيل الصفحات البيض الى بحار من نار . وبينما هي منهمكة في الكتابة ، تقدمت منها طفلة لا تتجاوز التاسعة . حدقت في الكلمات ببراءة . تركت ارمانيسا دفترها والقلم جانباً ، ثم ابتسمت في وجه الفتاة الصغيرة . لكن عيني الطفلة ظلتا ترمقان القلم .. والدفتر. امسكت بيدها وقالت مداعبة :
- ما اسمكِ يا حلوة ؟
- عائشة .
همست بخجل ، ثم التفتت .. واشارت الى مجموعة من الاطفال واردفت :
- ذاك عمر .. وتلك نور .. وهناك عند الركن يقف احمد .
- اتريدين الدفتر والقلم ؟
سألتها .. فأومأت الطفلة برأسها : نعم .
قدمتهما الى عائشة .. فاسرعت الطفلة تعدو الى احدى الزوايا ، ثم جلست على الارض . تحلّق الاولاد حولها . مررت القلم فوق السطور ، بينما ارمانيسا ترقبها – وترقب الصغار حولها من بعيد . بعد دقائق عادت عائشة .. واعادت اليها الدفتر والقلم . قالت بفرح طفولي :
- شكراً .
ثم راحت تعدو وتلعب مع الاخرين .. مشكلين حلقة كبيرة ، وهم ينشدون ( شدة يا رود .. شدة ) . شعرت ان الحياة تتدفق من بين شفاههم .. من انعقاد اناملهم البضة .. من دبيب ارجلهم الصغيرة . اشتهت – لوهلة – ان ترمي بالدفتر جانباً لتلعب معهم ، لكن مقالها لم ينته بعد .. والمدير يريدها الليلة – بعد العاشرة مساءً– عليها ان تشرف على اصدار العدد الجديد من الصحيفة في المطبعة . حين فتحت الدفتر – لتكمل ما بدأت – انبثق رسم عائشة امام عينيها مدججاً بالنار .
طيور .. فراشات .. غراب اسود .. وافعى رقطاء .. وسماء تساقط كرات من لهب . نظرت الى الاطفال – وهم يلعبون – لتفتش عن وجه عائشة التي رمقتها من بعيد ، وفوق شفتيها الطريتين تراقصت ابتسامة عذبة . همست مع نفسها :
- انها حقاً موهوبة !

  

لم تعد تذكر لماذا قررت فجأة ترك المطبعة .. والعودة الى الملجأ قبل ان يكتمل اصدار العدد الجديد للصحيفة .. وفي تلك الساعة المتأخرة . كل ما تذكره انها كانت ترمق بندول الساعة – المعلقة على الحائط – وهو يتأرجح بلا مبالاة تثير الاعصاب ، وحين اعلنت الرابعة فجراً .. قفزت ارمانيسا من كرسيها كالملسوعة . قلبها يخفق كعصفور محبوس داخل صدرها . خفق اجنحته يضايقها.. ينقر جدران زنزانته المظلمة .

مرت الدقائق مملة قاتلة . حملت معطفها وخرجت من المطبعة من دون ان تخبر احداً من العاملين معها . تلفتت يميناً ويساراً . لا احد.. لا شيء سوى الهدوء والعتمة . سارت بضع خطوات .. وفجأة اشتعلت السماء بوميض يخطف الابصار.. ودوي انفجار قريب زلزل الارض من تحتها . تسمرت في مكانها امام المطبعة . عادت صافرات الانذار الى العويل من جديد .
العصفور الصغير يخفق .. ويخفق .. والجدران تزداد صلابة . الريش يتناثر هنا وهناك .
لا تدري كيف انشقت الارض في تلك اللحظة .. لتنبثق سيارة فالح امامها كالمعجزة . فتح لها باب السيارة ، وقال بصوت متحشرج :
- اصعدي

السيارة تنطلق بهما بسرعة مذهلة .. وهي خائفة من السؤال عن مكان الانفجار . تحس انها خائفة .. لاول مرة تخاف الى هذا الحد . صدرها بدأ يضيق .. وفالح – هو الاخر يضاعف خوفها بصمته . ادركت ان شيئاً رهيباً قد حدث . شيء لم يحسب حسابه . تلفتت حولها ، وهمست لنفسها :
- لا .. لن تخدعني العتمة ..
لا.. ولن يكذب الليل عيني ..
هذه الشوارع اعرفها .. احفظها .. رباه !
برعب حقيقي تحرك شفتيها من دون ان تنبس بحرف :
- الملجأ ..! الـ ..مـ.. لـ.. جـ..أ.. !
العصفور الصغير يرعف .. جناحاه منهكان .. ونبضه يكاد يتلاشى .

حين اوقف فالح السيارة امام مشهد مرعب ، شعرت ان الزمن توقف .. وانها امام شاشة سينمائية كبيرة .. بحجم الافق . قشعريرة مخيفة تسري في اوصالها . نظر اليها فالح وهي ترتعش كعصفور مبلول .. ووجهها يتفصد عرقاً. امسك يدها . كانت باردة ، واصابعها متشنجة . حاول ان ينزلها من السيارة . قدماها بالكاد تحملانها . هزها بيديه وهو يردد اسمها مراراً وتكراراً :
- ارمانيسا .. ارمانيسا ..
لكن الصراخ المحموم يمزقها بنصاله الحادة . وكلبوة فقدت كل اشبالها دفعة واحدة – وامام عينيها – نشبت اناملها في السور الحديدي ، ثم اندفعت نحو باحة الملجأ وهي تصرخ :
- عائشة ..
لكن يد فالح تلقفتها ومنعتها من المرور ، فنشبت اظافرها في ذراعه . النار تأكل كل شيء امام اعينهم .. حتى تضرج الفجر بالرماد .

  

انصرف الجميع ماعدا فالح الذي دنا منها .. وامسك بيدها ، ثم همس :
- صباح الخير ..
التفتت اليه . وجهه مختبئ وراء باقة ورد ابيض . سحبها من يدها .. وقال :
- هيا .. اريد ان اريكِ شيئاً .
انطلقت السيارة بهما في الشوارع المتخمة بالاحزان . اوقف فالح سيارته امام البوابة المحترقة . ترجلا من السيارة . يدها الصغيرة داخل كهف يده . تشعر بالنار تتقد في بدنها . ينبثق المشهد امامها حاراً .. وكأنه يحدث الان . الصراخ المفجع يصم اذنيها . تشم رائحة الدم .. واللحم المحترق تفوح من الزوايا . تراهم وهم يخرجون من عمق الجدار اسراباً .. اسراباً . يلوحون لها . ثيابهم بيض فضفاضة . تعلو رؤوسهم هالات من نور – كالتي في الصور المعلقة على جدران منزلها . يمدون لها ايديهم الطرية . تنتزع يدها من كف فالح . تخطف باقة الزهر منه ، ثم تعدو نحو البوابة الداخلية للمبنى . تفتح الباقة .. وتحمل زهرة زهرة لتوزعها على الاطفال الذين تحلّقوا حولها . يراها فالح ترمي بالازهار على الارض ، فيجهش بصمت .

تلمح ايدي الاطفال – القابضة على اغصان الزهر – تنزف . يدها – هي الاخرى – تنزف . ترفع رأسها .. ترى الجدران تنزف .. السقف ، والحديد المتدلي من وسطه – كبطن مفتوح اندلقت احشاؤه الى الخارج – يقطر دماً .
تصرخ ..
يبتعد الصغار مشكلين حلقة كبيرة بايديهم الناعمة . تسمعهم ينشدون ( شدة يا ورد .. شدة ) . تنشد معهم .. وتدور في حلقة وهمية . يبتعدون عنها . النار تطاردهم .. وتقضم اطراف ثيابهم . تعدو في الممرات وتصرخ :
- النار .. النار ..
ووجه عائشة – بابتسامته العذبة – يضيع منها في الاروقة المشتعلة .

تلمحهم يتكتلون . ومن اللهب الاحمر تنبت لهم اجنحة براقة يحلقون بها عالياً . لكنها تظل تعدو وراءهم حتى تصطدم بالجدار ، ثم تسقط على الارض . يساعدها فالح لتنهض . تشير الى الفجوة في السقف :
- انهم يرحلون ..!
تقف تحت الفتحة .. تتطلع الى السماء القصية . تراهم يلوحون لها من بعيد بايد مخضبة بالحناء ..
تظل ترقبهم .. وتلوح لهم بيدها حتى تغادرها الظلال الاخيرة لملامحهم .. وهم يحلقون نحو سماء رحبة .. ويغيبون وراء السحب في موكب ملائكي مهيب .

مسـلّة الغــربان

يناير 29, 2010

عندما يصبح الالم شجرة خضراء ..
وارفة الظلال ..
تثمر ..
وتتكاثر ..
يصير العالم جحيماً لا يطاق .

(( مهداة الى اطفال الحجارة ))

يتسلل الفرح هارباً من عيون عشرات الصغار لحظة تمزق كفن المومياء.. كاشفاً عن شكلها القبيح . اشيح بوجهي بعيداً حتى لا ابصرها ، ويتقي الاطفال شكلها المرعب بأيديهم الندية ، لكنها تقف امامنا . تحاول ان تفقا عيون الصغار. اضرب عظامها المهترئة بكفي .. تتهشم وتتساقط على الارض فتاتاً .

يرتعش الهلع في عروقي ، فأركض مع الصغار في كل الاتجاهات . افتح الابواب الموصدة في وجوهنا .. اضغط مقابس النور بحثاً عن مخرج يخلصنا . افتح احد الابواب ، فيفضي بنا الى قاعة كبيرة .. جدرانها بيض ، سقفها .. ارضها .. حتى بوابتها العملاقة – كلها بيضاء . اتسمر امام البوابة العظيمة شاخصة البصر . عليها نقش غريب .. لا .. ليس نقشاً ، بل كلمات مذهبة :
الامــان نعمة فلا تبددها
يقرفص الصغار على الارض . يلهثون من التعب . يتمدد بعضهم مستنداً الى ساق البعض الاخر . تمر ساعة .. اثنتان .. عشرة . يمر يوم كامل وينتهي. ندخل في اليوم الثاني . الجوع يمزق احشاء الصغار .. والعطش تمكن منهم . يصرخ طفل طالباً الماء. يموء كما تموء القطط ، ويسقط على الارض مغشياً عليه . استنجد في اعماقي بكل الذين اعرفهم . اصرخ واضرب الجدار بقبضتي:
- الا يوجد مخلوق يمد يده .. ويخلص الصغار . رباه انجدنا .

ينفتح الباب الذي دخلنا منه . امسح دموعي لابعد الغشاوة عن عيني . يدخل فارس ملثم على صهوة حصان اشهب . يسير نحو البوابة الكبيرة .. ويقف قبالتها . ينزع لثامه ويلتفت الينا .
- مهنا ..! اخي !
يعيد شد لثامه .. ويفتح الباب الكبير . نور صاخب يعمي الابصار . اتقيه بكلتا يدي . نخرج جميعاً .. ويتقدمنا مهنا . الارض خواء .. لا زرع فيها ولا ماء . لا شيء سوى اكوام من الحجارة البيضاء ، واكداس عظام مخضبة باللون الاحمر ، تنتصب امام اعيننا . نسمع صرير البوابة وهي تغلق . نلتفت باتجاهها، لونها اسود.

مازال مهنا ممتطياً صهوة جواده الاشهب .. وينظر الى الامام من دون ان يلتفت . التقطُ حجراً من الارض . مكتوب عليه :
هنا يصبح الموت ولادة
يغيب النور خلف غمامة سوداء تتقدم نحونا . ينتفض قلبي هلعاً .. ويتجمع الصغار حولي . اركض – مع الصغار – باتجاه البوابة ، لكن مهنا يظل منتصباً كالجبل .. يأبى الحراك . اطرق الباب الاسود بكلتا يدي . تستوقفني عبارة محفورة عليه :
هاهنا يتلاشى النور .. ويفتح باب الى الجحيم
نبتعد عن البوابة .. تقترب الغمامة السوداء منا . تقف فوق رؤوسنا . يمتشق مهنا سيفه ، ويصيح :
- الله اكبر .
تمطر الغمامة غرباناً سود . تنقض علينا . يتلقفها مهنا بسيفه قاطعاً رؤوسها .. اجنحتها .. غارزاً نصل حسامه في بطونها . اعدو مع الصغار . اتعثر بحجر واسقط على الارض . امد يدي لالتقطه. اضرب به غراباً .. يسقط صريعاً . يفعل الصغار مثلي . اتناول حجراً اخر .. واخر ، ويسقط غراباً اخر .. واخر . تنقض الغربان على ايدي الصغار . تدميها .. تمزقها ارباً .. ارباً . يصير الحجر الابيض – في ايديهم – احمر ، لكنهم يستمرون بالمقاومة . يضربون .. يصرخون بصوت واحد يزلزل الارض تحت اقدامهم :
( ثورة .. ثورة حتى النصر
اما الارض .. واما القبر )

يسقط مهنا عن حصانه .. ويسقط سيفه ، لكن يده تمتد لتتناول حجراً ابيض . يخرج من جيبه مقلاعاً يؤرجحه في الهواء بقوة ، ثم يرمي بالحجر . يعاود الكرة.. وصوت الصغار يعلو :
( ثورة .. ثورة حتى النصر
اما الارض .. واما القبر )
يسقط طفل على الارض . تتكوم الغربان فوقه ، وبعد دقائق تطير مخلفة وراءها كومة عظام بلا ملامح . يسقط طفل اخر .. واخر ، ويظل الصدى يردد :
( ثورة .. ثورة حتى النصر
اما الارض .. واما القبر )
لم يبق معي سوى اخي . تتجمع الغربان فوق رأسه . تلتف حول جسده كالدوامة . يسقط وهو يقبض بيده على حجر مخضب بالدم . تتجه جحافل الشر الاسود نحوي . تنهش من لحمي .. واوردتي . تنخر عظامي . تحفر في رأسي ثقباً . تمتص منه دماغي . ابتلع صرخاتي وألمي واصمت . مناقيرها تقطر دماً. ابصر الاجساد الصغيرة تسبح في نهر من الدم . يسيل نحوي . يقف غراب فوق انفي . يركز نظره في عيني . يلمح الشرر يتطاير منهما . تبتعد كل الغربان .. ويظل هو منتصباً فوق وجهي . يتحدى غضبي . يهزأُ من المي . يحلق بجناحيه عالياً ، وصوت نعيقه يردده الصدى .

لم يبق لي سوى العظام الرطبة .. وعينان تبصران السماء .. ولسان يردد بغضب :
( ثورة .. ثورة حتى النصر
اما الارض .. واما القبر )
صار الغراب بعيداً في السماء ، ولم اعد ارى منه غير نقطة سوداء .

نهر الدم مازال يسيل باتجاهي . اعاود النظر الى السماء . النقطة السوداء تكبر .. وتكبر حتى تصبح غراباً . يهبط مسرعاً نحو الاسفل . يلتقط عيني اليسرى بمنقاره .. ويحلق عالياً من جديد . صرت ارى نصف العالم يشع بالنور. تهبط النقطة السوداء من الاعلى لتتقاتل مع غراب اخر يحاول الاقتراب من عيني اليمنى . يتقاتلان . يدمي وجهه .. ويقتلع عينه . اصبح اعوراً .. ويرى نصف العالم اسود . يحلق عالياً من جديد . اشعر بشيء بارد ورطب يلامس عظامي . ابصر دم الصغار يختلط بدمي .. بعظامي .. واصواتهم مازالت تردد في السماء :
ثورة .. ثورة ..
النقطة السوداء تكبر .. والحجر الابيض في يدي مغمس بدماء عشرات الصغار.. بدم مهنا ( يا عيني عليك يا مهنا ) . ارمي به . يضرب رأس النقطة السوداء . يسقط صريعاً . ترتسم في السماء امارات النصر . تتراجع حشود الشر الاسود .. ولساني يردد – بنشوة – مع السنة الصغار :
( ثورة .. ثورة حتى النصر
اما الارض .. واما القبر ) .

أمنيـات كالقـزح

يناير 26, 2010

الشمس .. قنديل النهار وقوته .. يبزغ مفترعاً زيت اليوم حتى يأتي في اخرهِ على اخرهِ.. وهم نيامُ عند حافات النسيان ، لم يبق منهم سوى أطلال شتتها الريح.. وأقدام لم ينهكها الوفاء لأرواح خُزن خلودها في ذاكرة متعبة.

انه الفجر .. تشقق عن وجوه شتى و وجهه المزدحم بالذكريات المصلوبة تحت الشمس لفراق الأحبة والصحب .. ووجهها الذي أجبرته القبيلة على وأده عنوة قبل أن يبصر نوره. كم تمنى أن تكلل هذا الأفق بشرف حضورها. كان يقف بوجل عاشق مل جسده فأخذت دودة صغيرة تنخر عظامه وتقتات على بقايا صبره أمام القبور التي استفاقت صباحا على نواح الأمهات والأرامل .. ودموع طفل أدرك بعد عبور ليلٍ قاسٍ وطويل أن والده وصل عالم اللاعودة .. وسكن أزقة المجهول فلم يعد لديه عنواناً ليكتب له او ليبعث له صوّره .. لم يعد يعرف شيئاً عنه سوى شاهدة بيضاء وكومة تراب تهيلُ عليه غربة وانيناً .

بين تلاحق أنفاسها التي أخذت تغيب لرؤيته من بعيد وهو يقف شامخا كسيف أسطوري يتوهج .. وتثاقل خطاها التي عفرت تراب المقبرة بالمسك وهي تلامس الثرى بقدميها العاريتين عالم من وهم. وكناقوس كنيسة عتيقة قُرع في أذنيه انتبه لدخولها بترفع وهدوء باحة المقبرة .. بدت وكأنها تطير فوق الأرض . انتشر في الأجواء عطرُ حبيب طغى على كل ذرات الهواء فلم يعد يستنشق غير عبيرها. أدار رأسه صوبها مختلسا نظرة سريعة، ثم استدار يلفه حضورها الزاخر بالعطايا . فجأة غابت كل لحظات الأسى .. اخضرت الأرض الجدباء وفاحت رائحة التفاح .. وانتشى الكون بأزهار المشمش وبريق سنابل القمح ، حتى الشمس تنحت جانبا تاركة للغيوم فرصة عناق صاخب ممزوج بهطول زخات مطر غسلت له كل أوجاعه . هاهي تقف أمامه .. على مرأى اشتهاء .. مغسولة بالحزن، شاحبة الوجه . لم يعد يدري لماذا لاذت قدماه بالأرض ..! ألانهما لم تعودا تقويان على حمله من شدة فرحه بوجودها في نفس المكان ؟ أم لأنه لم يعد يرغب بأرض غير التي وطئتها بقدميها ؟ حلق عاليا بين دهشة الشمس وحضور المطر واصطباغ المدى بألوان القزح الذي غدا كجسر يربط الروحين بمزيج ألوانه . بعد أن عبرت بمسافة احتضار .. نهض مسندا يده إلى شاهدة القبر .. مبعثرا أيامه ولياليه وعجزه تحت التراب وفي جوفه صراخ محموم – سحقاً لكل الأعراف والتقاليد البالية التي تبخسنا أجمل لحظات الحياة واقصرها وتتركنا من دون تكرار.

اختلست منه نظرة تمنت بعدها أن تُغّيب السماء كل شي حولها وتحيله إلى رماد تذروه الرياح .. وان تستحيل الأرض قاعا صفصفا فلا يبقى سواه ليأخذها أليه طفلة أرهقها اليتم وذوبت سنوات القحط ربيعها . ودت لو أنها تنزع كل أقنعة الصمت ألان وتكشف عن وجهها لتبوح له بعطشها .. وجوعها .. والصقيع الذي كسا دمها وصلّب أوردتها. وقفت أمام شاهدة قبر علقت عليها ثلاث عقود من الفل.. انحنت وقبلتها بشفاه مرتعشة .. سالت دموعها سخية فوق وجنتيها الشاحبتين. أحست بثقل السنوات يتمركز فوق كتفيها ويكسر كل أشرعة العمر لئلا تبحر نحو موانئ جديدة مغسولة بالشمس ومزدانة بالملح . ودت لو أنها استوقفته حين مر بجانبها كنسمة حب ألقت عليها وشاحا بنفسجيا مطرزا بألف نشيد ونشيد . ودت لو أنها أخبرته قبل انتصاف الشوق انه كل أمنياتها .. وان صوته يوازي حقولا من دوار شمس .. وسنابل مغزولة الرؤى .. وأطياف فجر قرمزي يذرع روحها برزخا بعد آخر .. يغسلها بالندى ويلون باقي النهار بالمطر. ودت لو ….

كانت قد لملمت أوجاعها وهمت بالرحيل حين عبر من أمامها. وبين التفاتة كل منهما للآخر ارتعاشة هزت الجسدين .. طافت بهما حول الريح حيث سقط وشاحها لتداعب نسمات الهواء شعرها المنسدل فوق كتفيها. همّ أن يعدو كل عمره وصولا إليها.. لكن أعين الصباح حاصرته وهما يسيران بشكل متوازٍ نحو بوابة الخروج.

كّحل ذاكرة الشمس بي

نوفمبر 5, 2009

* حبيبة قلبي .. أنتِ *

- هو:
على مائدة الفجر استفاق .. على أعتاب جمرها المستعر دوماً .. على تراتيل عطرها الذي يخضب جيّدا صقيلاً , تفتقت شرانق الحرير .. وتناثر كحل الفراشات مع عبير صمتها المدهش ، الذي بدأ يأخذ ألف شكل للكلام . صمتها الإلهي يشده لحدود البوح .. ولعينيها هذا المداد الشاسع من عسل الغابات المطرية .. بهما تعتلي صهوة الريح .. وتفترش عمره وسادة انتظار. لها يزيح ستارة النهار لتغتسل بالشمس وزقزقة العصافير.. وحفيف أوراق اليوكاليبتوز, وليمعن النظر في طهر وجهها البريء المؤطر بسواد شعرها.. لكأنه القمر ليلة البدر . لطالما تأملها مذهولاً ..

بالنسبة له ..
هي الفرح .. تلبس الربيع بعمرها وتتساقط بتلات الورد من ثيابها…. توقد نيران الغسق حلما لازوردياً ينبض بالوجد ويودعه تحت عرش الشمس ملكاً أسطورياً .. هي بحار اللهفة تقود أعاصيرها نحو خلجانه ثم ترفو أشرعة جنونه بشرايينها . تهزه برعودها تارةً ، وتشرع له صواري القلب تارةً أخرى ليكتسح خلجان المرجان نزقاً همجياً…
هي المطر .. ينحت وجهها على الريح .. ويعزف سيمفونيتها الأثيرة على مزامير القزح.. هي جوعُ سنواتهِ الثلاثين، ولحظة العمر المنتظر على شواطئ الحلم .. والحقيقة الوحيدة في كل لحظات الوهم والوهن …. معها لا طعم للشبع .. ولا أحساس بالوقت. كل اللحظات معها ارتحال للبدايات .. لأزمنة أفرغت جعابها من الملل .
هي ترنيمة المطر في صحراء أرهقها ذل العطش.. وشجرة لوز تكسوها السناجب.. والحد الفاصل بين العقل والجنون .
وهي …
لا نهاية تحُدها .. ولا فراغ يملؤها .. قبلها كان الوجع.. والجرح واليتم .. وشمس تموز تسحق كل غلال الرؤى ..مجرد حصاد لأيام خاوية .
ثم أتت بتشرين .. تحمل منجلاً من لهب .. به قطعت كل حيل الخوف ومجون الأعماق المسكونة بالوحشة والمغسولة بالشك .. عمدته بوابل من غمامها الذي لا ينقطع . حفرت له أخاديد الشوق .. ورسمت له سماءً بوسع حنينه وحنانها .

* حبيب قلبي .. أنت *

- هي :
قادتني ذات عشق يداي ..لأصب لك الحروف بناً معتقاً .. ومعطراً برائحة الهال .. وأنا أعانق صمت حكاياك الأثيرة. ثلاثون عاما وعام .. تشرنقت بخيوط الحرير ثم تأرجحت بين الروح و حبل الوريد للقاء أشبه بالمستحيل حين فاجأتني ذات صيف بصوتك العذب وهو يحيل الأرض تحت قدمي على غمامة من البنفسج .
أتذكر ؟
يوم احتضنت بغداد خطانا و تزنّر خصري بذراعك وهمس كل من رآنا :
يا الله .. كم يحبها ! أخبرتك يومها إن في بلدي يُفضح العشاق من عطرهم..
مازال طعم تلك الشهقة يكسو روحي .. كم كنت جميلاً ونقياً وكم كنتُ مغسولةً بالدهشة !

بالنسبة لي ..
أنت نصل سكين ينغرز في أوردتي .. يمزقها لتفترع سواقي الدم المدى .. أتنفسك … أريجاً يملأ الهواء بالهواء ..
وارسم لك وسط العين قارات ومنارات تشعل الليل قنديلاً .. شطآنه يداك .. وإذ التمس درب المحبة بخطاك .. تعربد بي الرغبات المجنونة .. وتنتفض كل مدن الوجع الميممة برحيلك .. دفاترَ .. أقلاماً.. ومحبرةً جف قطرها .. ورسائل فاح عبيرها وغسلها دخان الانتظار . أيها الوجع الغافي بين أحداقي.. رنم معي تعاويذ الغياب .. رنمها على مسامع من حرير .. وأهدر بها للبحر حتى يعمدني بملحه امرأة من رخام .. رنم معي لتستعر غابات النخيل بجمر تمرها .. ولتغرد بلابل قلبي على أغصان البرتقال حلماً بعينيك .. بصدى ضحكة أودعتها ذاكرة تأبى أن تخدش . تعال وطهر هذه الروح من كل وعود الانتظار .. ألهمها صبراً لم يعد قادراً على الحلم إلا بك .. والطواف حول ظلال رؤاك .. قم من سبات جبنك .. انتفض على نفسك وعانق بروحك نصري .. أطلق حنانك للريح .. داوي جراح نزفك بدمعي.. اروي ذاكرتك من عطشي .. ثم رمم قلبك من فتات حبي .

وكأن الرب زرعك برحمي .. ثم أطلقك منه إلى العراء.

فتاة برية بالألوان

أكتوبر 6, 2009

الى كل فلسطيني لم يجد ما يدافع به عن نفسه .. عن ارضه .. وعرضه سوى الحجارة .. ارفع كلماتي المتواضعة
****************
تشرين …
افعى تزحف نحو المدينة لمحاصرتها .
يشرنقها بدوامة مطر شرس .
وهي …
ورقة خريف يابسة … نفضتها اشجار الغاب ،
وتركتها وحيد …
تائهة في مهب الريح .

……………………..

الشارع يمتد امامها … مليئاً بالصخب وبوقع اقدام المارة وهم يتراكضون في كل الاتجاهات ليحتموا من البلل . وحدها تتوقف عند احد الازقة . تصيخ السمع لسمفونية المزاريب وصفير الريح . تغلق مظلتها .. وتغمض عينيها ، ثم تترك للمطر فرصة عناقها بشراسة محمومة . تفتح ذراعيها – على اتساعهما – ليعمدها بقطراته .. فتاة برية من وحي تشرين .

تمطر …
تمطر .. منذ عشر سنوات حنيناً جارفاً .. ضاجاً بالوجع لبيت الطين في اعلى التلة .. لوجوه الاحبة .. لرائحة المطر المعجون باديم الارض . عشر سنوات والمطر لا يختلط الا باسفلت الشارع – الذي تنبعث منه رائحة العفن .

تمطر …
تمطر سياط غضب موجع . تجلد راسها الصغير . تحفر اخدوداً عميقاً فيه. تفجر سدود سنوات عشر من الغياب في ثوانٍ ، ليكتسح الطوفان كل شيء . الافعى تضيق الخناق عليها . تباغتها .. ثم تعتصرها بيسر حتى تتشابك اضلاعها . اصداء شيء جميل وثمين يتكسر في صدرها .. ويدعوها للبكاء .

انقطع التيار الكهربائي في الشارع الذي تسير فيه . صارت جزءاً من عتماته. عواء الريح يطاردها . تعدو بين الازقة وحيدة وخائفة . تصرخ :
- خالد …
لكن خالد لا يجيب ، فهو منشغل الان برسم لوحة جديدة .. مليئة بالالوان.. وضاجة بالحياة . خالد صار يبحث عن الدفء فوق الارائك الوثيرة وبين لوحاته التي تزينها شموس خرافية .

تهرب من وحشة الازقة . يطالعها مطعم فخم – في احد الاحياء المترفة – مدججُ بالنور . تتردد في ولوجه ، لكن العتمة وصوت الريح يدفعان بها نحوه . تمد يدها لتدفع بابه الزجاجي .. لكن ظلفتا الباب انفرجتا وحدهما ، واطل من ورائهما شاب في العشرين . نظرت اليه . كان يقف كالتمثال .. ويتحرك كالدمية . ملامحه تدل على انه عربي ..عربي اخر – او بنحو ادق – مشرد اخر . سارت في الممر المؤدي الى صالة الطعام لاهثة الانفاس . كان كل شيء فيها يقطر ماءً .. ثيابها .. شعرها . نظر اليها النادل بازدراء . احست لنظراته طعم الصدأ في فمها . تقدم واوقد الشمعة اليتيمة .. المنتصبة فوق منضدتها . كانت ترتعش من شدة البرد ، لكن احداً لم يعرها انتباهه .. حتى ذلك المشرد الذي ينتصب خلف الباب .

حدقت في وجوه الجالسين حول الموائد وهم يحتسون الشراب ويستمعون باهتمام مصطنع لمعزوفة تشايكوفسكي – بحيرة البجع . كانت تراهم مجرد تماثيل جليدية خاوية من الداخل وباردة .. وعما قليل سيذوبون وتتعرى حقائقهم.

كان النادل يمر من امامها من دون ان يعيرها ادنى اهتمام . قالت لنفسها :
- حين ياتي الي ساطلب فنجانا ساخنا من الشاي .
لكن انتظارها طال والنادل لم يكلف نفسه عناء النظر اليها مجدداً . لملمت نفسها وهمت بالخروج . استوقفها منظر الشاب المنتصب خلف الباب . تطلعت اليه بمرارة. كان جامد الملامح . ادارت وجهها ومضت . تلقفها الشارع من جديد.. وحيدة تطاردها الريح التي مازالت تعوي كفصيلة من ذئاب جائعة في ليلة من دون قمر .

ادخلت يدها في جيب معطفها . اخرجت منه سلسة مفاتيح ، معلّق في نهايتها حجرُ صغيرُ ابيض . قربته من شفتيها وهمست :
- وائل .

- مريم .. اعتني بنفسك . سترحلين مع خالد ..لقد تدبرت لك كل شيء .
ثم دس في يدها حجراً صغيراً اخرجه من بين كومة كان قد دسها في جيوب بنطاله ، واردف :
- لا تفقديه . انه هويتنا .. انتماؤنا .. جواز مرورنا . هذا هو الدليل الوحيد الذي يمنحنا الحق في امتلاك ارضنا . حافظي عليه .
نظرت اليه بخوف وقالت :
- الى اين يا وائل ؟
ضمها الى صدره ثم همس لها :
- من اجلك .. ومن اجل كل المريمات .

مازالت تمطر …
والقطرات الصغيرة – التي تخز كالابر – تتابع حفر اخدود طويل .. يسيل فيه سائل احمر ، له طعم النزف . تحس بالجرح المزروع في خاصرتها رطباً .. وندياً . كأنه انبثق الان .. وكأن لم يكن قد مر عليه عشرة اعوام . فركت الحجر باناملها الخمس.. وكانها تحاول اكتشاف نتوءاته والثقوب المحفورة فيه كجراح تابى الاندمال . لم يبق لها احد سوى خالد . لكنه هو الاخر تغير . شيء ما انكسر فيه . حتى كتاباته – في الصحيفة التي يعمل بها – تحولت من السياسة الى الفن . وصار قلمه مجرد فرشاة يحاول ان يرسم بها اقواس قزح في سماء رمادية .

ولجت احدى البنايات الضخمة ، ثم توقفت اما احدى الشقق وقرعت الجرس . اطل شاب اجنبي الملامح – بثياب انيقة . نظر اليها بازدراء – كما فعل النادل في المطعم – وهي تقطر ماءً . ومن جديد احست بطعم الصدأ في فمها . سألته بلغته الاجنبية :
- هل السيد خالد هنا ؟
- نعم .
اجاب ثم تنحى لتدخل . طالعها من اعلى الى اسفل ثم تمتم مع نفسه :
- هؤلاء العرب ! غريبو الاطوار !

  

لم يشعر بها خالد وهي تدخل الى المرسم . كان يحلق في عالم اخر .. محاولاً تلوينه باقواس فرح – ككل لوحاته . وقفت امامه ، وهي ترتعش . قالت بنبرة ناقدة :
- الا تلاحظ ان اللون الاحمر هو اللون الغالب في لوحاتك ؟‍‍‍!
نظر اليها مشدوهاً ، ثم نظر الى اللوحة ليتبين صدق كلامها . وقبل ان ينبس بحرف تابعت ساخرة :
- لن يجدي الربيع في لوحاتك .. لا .
لن يمنحنا الدفء .. ولا الامان .
ولن يزرع في نفوسنا الفرح . اقترح ان تفتش عنه في مكان اخر .. وزمن اخر.
- ما هذا التشاؤم ياحلوتي ؟
قال مداعباً ، لكنها هزت رأسها ساخرة وهي تتمتم :
- التشاؤم !

بدات تحس بانها مجرد تائهة .. تتخبط بين الازقة . حتى خالد الذي احبته بكل ما تملك اشاح بفناره عنها . حشرت جسدها الصغير في احدى الزوايا وجلست على الارض . نظر اليها خالد مستغرباً . كانت عيناها تنذران بعاصفة كالتي تشرنق المدينة . وجهها شاحب .. وجسدها يرتجف – على الرغم من دفء المكان .
- مريم ..‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! لماذا تجلسين على الارض ؟ ! انهضي !
حاول ان يسحبها من يدها ، لكنها جذبتها اليها وقالت بنبرة ساخرة :
- لا اريد ان تبتل الارائك الوثيرة .. والسجاد الفاخر .
لكنه تجاهل سخريتها .
- لا بأس .. سأجلس انا قربك .

جلس قربها .. وطوقها بذراعه . شعرت بقشعريرة لم تعهدها معه من قبل. انفاسه كانت باردة .. وشفتاه اللزجتان – وهما تطبقان على عنقها – باردة ايضاً . تتناسى وجوده .. وتشرد بذهنها . تنظر الى اللوحات الملونة – التي غطت جدران المرسم .. تبث دفئاً مسلفناً – تارة ، والى النوافذ – التي تهيل عليهم عتمة وبرداً لا يحدهما حدود – تارة اخرى . تتمنى لو يكتسحها ربيع اللوحات .. لو يغادرها هذا الشعور بالتشرد ..

مازالت جالسة على الارض .. وخالد يداعب اذنها بانفه ، ‍‍‍لكن عينيها تتابع البحث عن شيء ما – او ربما لوحة تنبض بالحقيقة – بين اللوحات المزركشة بالوان الربيع والدفء . وبنظرة خاطفة الى احد الاركان المعتمة للمرسم ، التقطت عيناها لوحة مسجاة على الارض . نهضت من مكانها – تاركة انامل خالد لتداعب الفراغ – واتجهت صوب اللوحة . التقطتها وراحت تتطلع اليها بعمق .. وهي تتلمس قماشها بانامل مرتعشة . مازالت تتذكرها . انها اول لوحة رسمها خالد في غربته . كانت اول ثمار وجعه . خلفيتها حمراء دامية .. تتوسطها شاهدة بيضاء تناثر فوقها قطرات حمر . معلق فيها اكليل من زهور السوسن . تهمس لنفسها :
- كم كان حساساً وشفافاً . كيف كساه الصقيع !

نظرت اليه بأسى . كان وجهه يفور غضباً . وبنبرة حادة قال – وهو يجذب اللوحة من بين يديها ويرميها على الارض :
- ما الذي تنظرين اليه ؟
فاجابت موبخة :
- استغرب .. كيف ننسى اشلاء من احببنا .. وضمها قبر واحد ؟ !!!
كيف يروق لنا التوهان في عالم – نعرف مسبقاً انه – لم يخلق لنا ؟!
ولانها لامست الجرح ، رفع يده ليصفعها ، لكن ذات اليد تجمدت في الهواء.. ولم يجرؤ الا على الصراخ في وجهها :
- هل جننتِ ؟

نظرت الى يده التي كانت قبل قليل تداعب رقبتها .. وتنثر خصلات شعرها . تردد مع نفسها :
- جننت ! .. جننت !

عيناها مغرورقتان بالدموع . المطر يجلد النوافذ بقسوة .. وهي طير جريح مغسول بالالم .

اقترب منها وضمها الى صدره ، وبصوت يملؤه الندم همس لها :
- مريم .. لمَ لا تفهمين !
انا احاول ان اوفر جواً من السلام والامان لنا معاً – كما وعدت وائل – بعيداً عن الجراح التي لا تندمل .. وانهار الدم التي لا تجف حتى باحتضارنا .
انتزعت نفسها من بين يديه . التقطت حقيبتها .. وقبل ان تخرج اقتربت منه ، وهمست في اذنه :
- اتعلم .. صار لمرآك طعم الصدأ في فمي .

غادرت شقته . تلاشى كل شيء جميل امامها . ارتسم الدرب طويلاً .. ومظلماً. التحم مع خط الافق . جعلت تراهما شيئاً واحداً لا ينفصل . تتناسى فتح المظلة . تترك المطر يغسلها من حنقها .. ويتابع حفر الاخدود في رأسها . تهمس لنفسها :
- لو ان وائل مازال حياً .. هل كان سيصبح مثل خالد ؟
تمد يدها في جيب معطفها . تتحسس الحجر الراقد فيه كطفل لما يخرج من رحم امه بعد .
- لا تفقديه .. انه هويتنا .. انتماؤنا .. جواز مرورنا . هذا هو الدليل الوحيد الذي يمنحنا الحق في امتلاك ارضنا . حافظي عليه .. حافظي عليه .. حافظي عليه ..

تشعر انه لم يعد هناك ما يربطها بخالد . تعود الى غرفتها في دار الطالبات المغتربات . تفتح حقيبة سفرها .. ستملؤها بعد قليل . ترمق كتبها المرصوصة فوق المكتب ببرود . تقترب .. تقلب الدفاتر بلا مبالاة .. تترك كل شيء مكانه ، ثم تفتح احد الادراج . تخرج منه حقيبة صغيرة .. بنية اللون . تخرج منها اوراقاً قديمة مهترئة – تثبت هويتها – تشم فيها عطراً معتقاً من زمنٍ خرافي . تشعر بفرح غريب يسري في بدنها .. يسرقها من غضبها .. ويودعها تحت عرش الشمس . تقبض على الحجر بيد ام حنون . تلعقه بلسانها.. تشمه .. تمسح كل نتوء فيه بخدها . تقبّله بشغف مجنون . ترى فيه وجوه من احبت .. ووجه وائل . تدور في الحجرة .. تدور.. تدور . تسقط فوق سريرها وهي تحتضن الحجر وحقيبة الاوراق وجواز السفر .

فيما يشبه الرؤيا تراهم ينبثقون من الارض .. يخرجون من ثقوب الرصاص في الجدران . يخترقون الازقة .. يعبرون الاسلاك الشائكة .. ويدخلون غابة الموت. لكنهم يعرفون الطريق .. والطريق يعرف خطاهم المغسولة بالدم .. ورائحة المسك .

بأيديهم المخضبة بالدم يشعلون الليل قناديلَ صفراً .. تسبقهم اسراب من طيور بيض. كل طائر يقبض على حجرين . مازالت تراهم . ايديهم متلاحمة.. واصواتهم متناغمة . بنبرة واحدة يرددون ..

سندك .. ندك الاسوار
ونحيل الليل الاسود نوراً ونار ..

هــروب ماجــن

سبتمبر 27, 2009

نبض يتارجح في الفراغ ..
بلا حلم ..
بلا وعد ..
بلا امل ..
والوقت سفينة تشرع صواريها للريح ،
تمضي بلا وجل ..
والبحر في قراره هائج وعميق ،
عمق خوفي ..
عمق جرحي .
نصل لسكين مكسور
يخترق اللحم ويستقر في العظم
يحفزني ..
يدفعني لارسم الفرح طيرا مهاجرا
حط على اغصاني ذات عام ثم رحل
تاركا فوق الاغصان عشا باردا..
خاويا ..
الا من ريشّ تناور بها الريح ذات اليمين وذات الشمال..
كنت احلم بصوتك يستنطقني
( لمن تكتب حبيبتي ؟ )
لكن الاسئلة ضاعت مع نوارس الحلم
وتلاشت براعم الربيع
فلا جدوى من خريف الامنيات
اليوم ..
ساحمل اعبائي وارحل بعيدا
حيث الشمس لي
والارض لي
والسماء بنجومها ونور قمرها .. لي .
اعدك ..
ستغلق جفنيك على رسمي مساءا ،
وساظل مزروعة كالرمح في صدرك ،
وكاللون في حدقاتك ..
وستظل ترتجف في كل لقاء يوحدني واياك
نبضا ..
جسدا ..
ودربا ..
اكون فيه لك ..
وتكون فيه لي .. وحدي.

الضفاف النائية

سبتمبر 26, 2009

سكون اللحظة من حولي يجدد في اعماقي الذكرى . تذروها الريح مثل هشيم محترق .. وانا وحيدة ، اعانق صمتك .. ابحث في سكون البحر عن منارات حملتك بعيداً ، وانارت لك دروباً مظلمة تخطو اليوم نحو دروبي . احاول ان افلسف غيابك بحكمتي .. انا الانثى المغلولة باصفاد من حديد صدئ .. وركام السنين يجترح امامي خطاياه بخبث ،
ويترك للهفتي ان تمتشق خناجرها لتنغرز في وجعي وعطشي لك .
وحده البحر يحتضن خطواتي .. وقدماي تسيران من دون هدىً نحو فجر قديم حبستني فيه ثم رحلت . اصرخ في فضاء ضيق : أي اتون حارق هذا الذي اودعتني فيه وشمرت عن ساعديك مدعياً انك لاجلي ستذهب .. ولاجلي ستعود ؟ وها انتذا بعيد بعيد . اتراها المسافة شاخت بيننا وهرمت ، فلم تعد تذكر تلك التي نذرت عمرها لعمرك .. ؟! واشعلت كل شموعها املاً في عودتك ؟ ! اتراك سرقت باقي الحكاية ؟ !
صمت اللحظة الهاربة يتبدد مني .. ويضيع بصخب البحر . تتكسر الامواج كقطع المرايا .. وعلى كل صفحة منها يرتسم وجهك ، وتجلجل في السماء ضحكاتك اللامبالية . اسقط على الرمل ذبيحة يديك . انزف .. وانزف وضحكاتك تعلو .. وتعلو .. والبحر يزداد صخبه ، وامواجه تقذف بالزبد نحو الشاطئ .. تتراجع الامواج وتنحسر ، فيتلاشى الزبد . اتراها وعودك كزبد البحر .. ؟
وحيدة اجلس لاعانق بقايا احلامي .. وامنح للبحر سريرتي . ارشُ الامواج المتدافعة نحوي بالكلمات ، لعلها توصل لك وجعي منك . احاول ان الملم شتات افكاري لاستحضر ملامحك .. ولاصل اليك .. لكنك تزداد ايغالاً في البعد ، فاتجرع فقدك باوجاع كل الجرحى والمفقودين ، وانوس _ في الليل _ تحت فراشي كالمحموم .
أي ضعف اعاني تجاهك ؟ ها انذا اهرب منك اليك . اخضب جروحي برحيلك ، فتزداد الجراح عمقاً ونزفاً . احاول _ جاهدة _ اختزال لحظاتي معك بثوانٍ ، فاجد عمري كله مرهون بتلك الثواني . هل تذكر يوم قلت لك تعال .. تعال وانشب مخالبك في لحمي . مزقني واشرب انخابك من دمي . عطر ثيابك بلهفتي .. واغرسني زهرة عمرك الاتي ؟ لكنك تفاديت الكلام لئلا تتورط .. ثم تركتني اغرق في بحور من الخيبة .. بينما يداك تبحران نحو خلجان قرمزية . اهذا الذي كنت استتر منه وكرهت ان استوعبه .. انك لست لي ولن تكون ؟ اية دهشة هذه التي تغلني فيها وتفني وجودي فيك !
ها هي ضفافك تنأى .. ووجهك ينأى .. والبحر _ بزرقته الداكنة _ يسحبني اليك .. وانا بكل ضعف الانثى المتخلق في اعماقي انقاد اليه . ألِجهُ بملئ ارادتي .. واعلم _ مسبقاً _ ان فيه .. وفيك نهايتي .

كلمات مطرزة برائحة التفاح

سبتمبر 25, 2009

والعمر ينبئ بربيع مقبل .. اجدني عطشى لاحتضان الشتاء الراحل نحو غربة من انين .
كنت احلم بالربيع يأتي مضرجاً برائحتك .. ومدججاً بالوان عينيك . وبقمصانك الربيعية تمطرني دفئاً مندىً بشذى البرتقال . لكنك – كالاخرين – استكثرت عليّ طعم الفرح .. ورائحة التفاح .. حتى صار كل شيء بعدك يأتي مطرزاً بالدموع .. والخريف .. ويعانق – في صدري – صخب الشوق المشتعل لثنايا صدرك .. لحنانك يرتشف بقايا العمر المتكدس كأوراق شجرة نفضت اخر اوراقها – للتو – وتعرت من كل السمات الضاجة بالحياة . حلّقتُ في سماء ارجوانية – منتشية بحلم ما – فألهبت جسدي وكادت تحرق جناحي . عندها ادركت ان الحلم تلاشى .
هكذا اضحى العمر ضحلاً .. وكئيباً . هكذا وجدته رمادي الاصابع .. يعزف على اوتاري بنشاز . ووجدت نفسي منقادة بفعل الحرف .. وتآمر الحبر والقلم ضدك . امروني فنفذت .. سحروني فاستجبت . ركضت فوق خطوط من الجمر .. ابتلعت اكداس الرمل المشتعل بلهيب آب . شربت الفواصل .. التهمت الابجدية بجوع قاسٍ ، ثم اقترفت فعل الكتابة برحابة صدر . نبذتك واطلقت لالمي العنان .. ليخرج مع زفراتي ، فكان المخاض وهماً ساخراً .
لكن ..! لكن الربيع – دائماً – ياتي مضرجاً بالفرح .. وضاجاً بالنشوة . ذات فجر عانق نزقه نزفي.. فاتحدا وتلونت السماء بلازوردية خرافية . لوهلة رايتك تقف هناك – مذهولاً بالحياة التي تنبض في جسدي – حيث الغربة تقضم ما تبقى منك .. ومن دفئك المتجلد .
هكذا بدا العمر – لوهلة – اشد صدقاً .. ووجدت بحور الازل تقود اعاصيرها نحو موانئي . ازبد بحري .. وقصف الرعد اشرعة صمتي . ما تخيلت – يوماً – ان البر سيصخب .. وسيشتعل بفيض من اقواس قزح مدججة بالنور . وان الاشجار ستاتي الي ماشية لتعلن ولائها ! لم اكن اتصور ان الورد حين يذبل يصبح عطره اشد .. واجمل !
اليوم … صار كل شيء بعدك ياتي مطرزاً برائحة التفاح ، الوجوه .. الاشجار .. الطيور .. الانهار .. الجبال .. ووجه السماء الصافي كبحر غارق في الصمت . من دونك عدت وحيدة ، لكن مغمورة بالطفولة والبراءة . اسير على ذرات الرمل حافية القدمين . ابني قصوراً .. واهدم اخرى .. ارقص .. اقفز ، ثم احتضن الموج بشغف مجنون .

اليوم … اتوسلك ان ترحل وتوغل في بعدك .. وان تترك لي الربيع نابضاً بالغد . إمضي .. واترك لخفق اجنحتي ان تهيل تراب الوجع المستوطن فيها . فأنا – ما حييت – سأظل افتش عن مدارات تحت الشمس ، تكون بحجم حنيني .. وحجم جنوني لعوالم لم ..ولن تكون .


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.